ابن حبان

21

صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )

وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَنْفِقُ عَلَيْهِ أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ { وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } إِلَى قَوْلِهِ : { أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } [ النور : 22 ] . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي ، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ بِالنَّفَقَةِ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَنْزِعُهَا ( 1 ) مِنْهُ أَبَدًا . قَالَتْ : وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي : " مَا عَلِمْتِ وما رأيت ؟ " فقالت : أحمي سمعي

--> = على طرق مختلفة ، وأساليب مفتنة كل واحد منها كاف في بابه ، ولم لم ينزل إلا هذه الثلاث لكفى بها حيث جعل القذَفةَ ملعونين في الدارين جميعاً ، وتوعّدهم بالعذاب العظيم في الآخرة ، وبأن ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم تشهدُ عليهم بما أفَكُوا وبهتوا ، وأنه يُوفيهم جزاءهم الحق الواجبَ الذي هم أهله حتى يعلموا عند ذلك أن الله هو الحق المبين ، فأوجز في ذلك ، وأشبع ، وفصَّل وأجمل ، وأكد ، وكرر ، وجاء بما لم يقع في وعيد المشركين عبَدةِ الأوثان إلا ما هو دونَه في الفظاعة وما ذاك إلا لأمرٍ ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه كان بالبصرة يَوْمَ عرفة ، وكان يسأل عن تفسير القرآن حتى سُئِلَ عن هذه الآية فقال : من أذنب ذنباً ثم تاب منه ، قُبِلَتْ توبتُه ، إلا من خاض في أمر عائشة ، وهذه منه مبالغة وتعظيمٌ لأمر الإفك ، ولقد برأ الله تعالى أربعةً بأربعة : برأ يوسف بلسان الشاهد { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا } ، وبرأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه ، وبرأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها { إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ } وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات ، فانظر كم بينَها وبَينَ تبرئة أولئك ، وما ذاك إلا لإظهار علوِّ منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتنبيهِ على إنافة محل سَيِّدِ ولد آدم ، وخيرةِ الأولين والآخرين ، وحُجةِ الله على العالمين ، ومن أراد أن يتحقق عظمةَ شأنه صلى الله عليه وسلم ، وتقدم قدمه ، وإحراَزَه لقصب السبق دونَ كل سابق ، فليتلق ذلك من آيات الإفك ، وليتأمل كيف غضب الله له في حرمته وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه . ( 1 ) في الأصل : ( أفرغها ) ، والمثبت من ( التقاسيم ) .